ابن أبي الحديد
66
شرح نهج البلاغة
حدقتين قمراوين ; وجعل لها السمع الخفي ، وفتح لها الفم السوي ، وجعل لها الحس القوى ، ونابين بهما تقرض ، ومنجلين بهما تقبض ، يرهبها الزراع في زرعهم ، ولا يستطيعون ذبها ولو أجلبوا بجمعهم ، حتى ترد الحرث في نزواتها ، وتقضى منه شهواتها ، وخلقها كله لا يكون إصبعا مستدقة . فتبارك الذي يسجد له من في السماوات والأرض طوعا وكرها ، ويعفر له خدا ووجها ; ويلقى بالطاعة إليها سلما وضعفا ، ويعطى القياد رهبة وخوفا . فالطير مسخرة لامره ، أحصى عدد الريش منها والنفس ، وأرسى قوائمها على الندى واليبس ; وقدر أقواتها ، وأحصى أجناسها ; فهذا غراب ، وهذا عقاب ، وهذا حمام ، وهذا نعام ، دعا كل طائر باسمه ، وكفل له برزقه . وأنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها ، وعدد قسمها ، فبل الأرض بعد جفوفها ، واخرج نبتها بعد جدوبها . * * * الشرح : قوله ( وأسرج لها حدقتين ) أي جعلهما مضيئتين كما يضئ السراج ، ويقال حدقة قمراء أي منيرة ، كما يقال ليلة قمراء أي نيرة بضوء القمر . و ( بهما تقرض ) أي تقطع ، والراء مكسورة . والمنجلان رجلاها ; شبههما بالمناجل لعوجهما وخشونتهما . ويرهبها يخافها ونزواتها وثباتها والجدب المحل .